19‏/11‏/2009

أوراق من حياتى

فى صعيد مصر 2002/2003

الجزء الثالث والأخير
فى وداع أسيوط 
.



أشعر بخفقان شديد واضطراب وأنا أكتب هذا الختام .. ذلك شأنى عندما أكتب عن أى ختام أو وداع , ولا أدرى فربما لا أريد أن أقلب ذكريات مضت بحلوها ومرها , أو ربما يكون هروباً من الحاح المشاعر التى تفرض عليّ مالا أطيق .. لكن عزائى على أية حال ان تبقى هذه الكلمات ـ وكل ما كتبت من كلمات ـ شاهدة لى ان شاء الله , وستكون كما أعتقد , ذكرى للآخرين تدفعهم للدعاء لى كلما رأوها 
...........................................
لقد تساءل الجميع فى حينها عن سر قرار التحويل المفاجئ من جامعة أسيوط  باستنكار , ولهم حق فى ذلك , فان عوامل الاستقرار لدى كانت قد تحققت سواء النفسية والاجتماعية أو الدعوية والدراسية .. وأخفيت السر عن الجميع حتى والداى , وتركتهم على تفسيرهم القديم بأنى لا أطيق الغربة .. أما الحقيقة فلها قصة بسيطة ..  ـ

فى هذا الوقت كان قد تزوجت لى أختان من الثلاثة اللاتى أنعم الله علينا بهن , وفى نفس الوقت كان أخى الأكبر يؤدى الخدمة العسكرية بالقاهرة ولم يبق فى منزلنا سوى والدى ووالدتى وأختى الصغرى فى الاعدادية , وأنا بالطبع فى أسيوط .. فى هذه الأثناء مرض والدى مرض شديد جعله يذهب الى كل ما تستطيع حصره من الأطباء , ولم يكن معه أحد يعتمد عليه فى ذهابه وايابه , اذ كان يتحرك بصعوبة ويجوب مصر كلها وراء هؤلاء الأطباء حتى انه جرب الطب الشعبى بأنواعه مع أناس ليسوا بأطباء ...  لم يكن أمامى سوى هذا الخيار اذاً , ولابد أن أتحمل مسئوليتى بشجاعة ... فلم أتردد كثيراً خاصة أنه كان يشجعنى على التحويل لأكون بمكان قريب من البيت دون أن يشير الى حاجته الىّ .. وقد كان ..    ـ

فبدأت اجراءات التحويل فى سرية وسرعة وقدمت أوراقى الى ثلاث جامعات ( المنصورة وطنطا والمنوفية ) وكان فى الاحتياط ( الاسكندرية وبنها والقاهرة ) , وتم قبولى بعد مداولات كثيرة جداً بجامعة المنصورة مع قائمة طويلة من الشروط أصعبها اضافة 4 مواد زيادة على السنة التى سألتحق بها .. واستقرت بى الأمور بالمنصورة بفضل الله وكرمه فكانت أسيوط هى مدرسة الحياة الابتدائية والمنصورة هى مدرسة الحياة الاعدادية

كان خبر التحويل مفاجئاً وصادما لرفاق الدرب فى أسيوط .. اخوانى الذين لم تلدهم أمى ولكن كان للحياة معهم طعم آخر .. أذكر يوم زيارتى لأسيوط بعد التحويل لاخلاء الطرف , ورأيت وجوههم فى استقبالى ما بين غاضب ومستنكر وحزين ورافض .. كانت لحظات وداع صعبة فى حياتى , راجعت نفسى ـ فى نفسى ـ  حينها مئات المرات .. وداع لم أشعر بمثله الا يوم أن فقدت والدتى رحمها الله منذ شهور .. وكأنها لحظات تطوف على القلب كل فترة لتطبع فيه حكمة الزمان بأن المعاناة جزء من الحياة 
هتفنا يومها من قلوبنا : مهما طال بينا الزمان راح يكون بيننا تلاقى ,, لو يفرقنا المكان فى القلوب العهد باقى 
نعم فى القلوب العهد باقى وسيبقى الى أن نموت ان شاء الله ..
فكيف أنسى أخاً علمنى كيف يضع الأخ  يده فى جيب أخيه فلا يسأله لماذا وماذا أخذت ..  فذكرنا بالعهد الاول من الصحابة والتابعين فى وقت كنا نظن أن الطريق اليهم طويل وشاق ومستحيل
وكيف أنسى أخاً علمنى أن الحب والاخوة , تضحية وعمل , لا كلام وخواطر , فكنا نلهث وراءه فى ذلك فلا نستطيع اللحاق به فأتعبنا .. لكن علمنا 
وكيف أنسى أخاً علمنى كيف أتفكر فى الملكوت .. كان ينظر الى ما حوله نظرة تختلف عنا , فكان له من كل شيئ حوله عبرة , فأحيا قلوبنا بقلبه الرفيع الموصول بالله 
وكيف أنسى أخاً كنا نجلس أمامه فقط لننظر اليه فاذا دموعنا تجرى على خدودنا أنهاراً وكأنى بها تصرخ فينا : متى تصلوا الى ما وصل اليه , كان يجسد الربانية بمعانيها وترى في وجهه روعة السرائر الالهية .. لله درك يا مهدى وأنى لنا بمهدى مثلك الآن
أم كيف أنسى أخاً حمل حياته على كفه ضارباً لنا أروع الأمثلة فى التضحية من أجل فكرته التى طالما دافع عنها فلقى ما لقى فى سبيلها فلم يفتر ولم يهتز 
نعم لم انسى .. فهناك تعلمت فى مدرسة الوفاء ألا أنسى , رغم أن النسيان من صفات الانسان .. أجبرتنى الحياة  أن أفارق من أحب , فعلمتنى الأصالة  ألا أنسى من أفارق 

أستطيع أن ألخص مجمل الفروق بين ما قبل أسيوط وما بعدها بالنسبة لى , فى نقاط سريعة :ـ 
  • رأيت نموذجاً للدعوة على أصولها ـ علما وعمالاً لها ـ ولم أكن مبالغاً حين قلت لهم : ان النصر سيأتى من الصعيد ( اقصد من المنتمين الى الحركة الاسلامية هناك ) ـ
  •  تلقنت دروساً فى فن الحياة وخالطت أصنافاً كثيرة من البشر باختلاف نشأتهم من الاسكندرية الى أسوان ومن سيناء الى السويس الى البحر الاحمر 
  • وتكشفت لى جوانب جديدة عن مصر فى عمقها المنسى , وكثير من أبناء مصر لا يعلم عنها شيئاً ـ رغم ان الصعيد يمثل ثلثى مصر مساحة وكثافة ـ وكما أن النصر سيأتى من الصعيد فان الفتنة والهزيمة ستأتى من هناك أيضاً لأنها بركان خامد تصول فيه عوامل الفساد والتبعية
  •  وكان لى شرف التعرف على أساتذة وعلماء فضلاء مثل الاستاذ الدكتور / محمود حسين  بكلية الهندسة ـ عضو مكتب الارشاد ـ والاستاذ الدكتور / محمد دهيم , بكلية الهندسة ـ أكبر اخوان أسيوط سنا ـ والشيخ / محمد خلف ( يطلقون عليه قرضاوى أسيوط ).. لهم منى كل الحب والتقدير والعرفان
  •  ثم أخيراً .. تشكلت فى أسيوط جوانب كبيرة من تكوينى الداخلى .. فلقد كانت محطة أسيوط أبرز محطات حياتى لأنها أحد ثلاثة عوامل شكلت عاطفتى , وأحد عاملين شكلا شخصيتى .. وان هذا الهبوط الدراماتيكى فى التكوين النفسى والعاطفى نتيجة تلك العوامل يمثل عنصر الأساس وحجر الزاوية التى بنيت عليها شخصيتى بعد ذلك , واسميته هبوطاً من باب نقد الذات ..لأننى أسير الحاح خاطرة ـ كنت قد كتبتها ولم أنشرها من قبل ـ جاء فى مطلعها :
" أصحاب العواطف النائمة والمشاعرالصامتة فى راحة من حياتهم .. يملكون قرارهم , لا شيئ يقلقهم تجاه الآخرين .. قلوبهم صلبة وقوية  يواجهون الحياة بالعقل والمنطق ,, هذا زمانهم , ومكانهم ,, ماذا جنى أصحاب العواطف والمشاعر الفياضة سوى التعب والقلق فى حياتهم .. وبماذا أفادهم اسعاد الآخرين والسهر على راحتهم وابهاج قلوبهم .. سوى مزيد من الهم ,, أليس هناك طرق أخرى بها من الاجر ما بها .. ربما أكثر راحة وأقل تكلفة .. أليس الطريق الى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ..... " ـ


لم يعد للحديث بقية 
والله من وراء القصد 
ابن البارك
نوفمبر 2009

هناك 4 تعليقات:

ahmed shokier يقول...

جميلة جدا
ومؤثرة
بارك الله لك في إخوتك أخي

anas3laa يقول...

الشخصية العاطفية .. قيادة بالفطرة
آدينا بنتعلم من اللي مش عاجبهم حالهم
أو عاجبهم و بيقولوا كده

غير معرف يقول...

انا قرات 3 اجزاء ذي ما طلبت مني

حاسس ان لسه معرفكش

طبعا العيب مش منك ده مني

لما اقبلك يبقي بنا كلام

ابنك العاق

من وحى الألم يقول...

أخى الفاضل أحمد شقير .. جزاكم الله خيرا

أخى الفاضل أنس علاء .. بارك الله فيك , ولا أدعى علماً أو تعليماً كما أننى أعبر عن مشاعرى دون تكلف أو تحفظ وحسبى أن الله سيعوضنى خيراً

أخى الفاضل عبد الرحمن .. لا أعتقد أننى غامض لهذه الدرجة , لقد اخترت طريق التعبير عن مشاعرى بارادتى .. فى انتظار رؤيتك

الحكم المباركية .. تجربة حياة

  • فاقد الشيئ لايعطيه .. لكن مفتقد الشيئ أحياناً يعطيه
  • دع أى انسان يحدثك عن نفسه , وسوف تحبه
  • الشيء الوحيد الذى لا يمكن لأحد احتكار الحديث عنه .. هو الانسان
  • بين ( يطرد ) و (يطارد) .. حرف يعبر عن الحركة
  • الألم .. أكبر محرك للإبداع
  • ما أجمل الحياة فى ترقب حكمة الله
  • التهاون مع عيب النفس فى أوله يورث الندامة بعد توغله
  • جرحك .. لن يؤلم أحداً غيرك
  • وكل انسان له جاهلية أولى ترادوده حينا بعد حين
  • قلب المربى بضاعته , ان ضعف بارت سلعته
  • ونصبر على مرّ الدواء أملاً فى حلاوة الشفاء , فما أصعب مخالفة هوى القلب
  • عدم ثقة الآخرين فيك قد تزيد من ثقتك بنفسك أحياناً
  • ما أصعب أن تقاوم الحب
  • تأقلم على لحظات الوداع فستتكرر فى حياتك كثيراً
  • * توظيف الأحداث نصف التربية
  • لا تفرض نفسك فى منظومة الآخرين .. فان القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء
  • ونحتاج للصدمة أحياناً
  • لا تجعل قلبك فى يد واحد فقط مهما كان
  • * أحب أن أكون فى بؤرة الاهتمام , ليس لأنى انسان .. لكن لأنى أسير بدعاء الاخوان
  • باب مرض النفس : أن تشعر أنك على علم وأن غيرك على جهل
  • كأنك تساق الى القدر سوقاً , لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراًَ
  • * تتعدد أشكالها , لكن .. لكل انسان حياة أخرى
  • * أكثر الناس هموما , من يعمل على تخفيف هموم الأخرين
  • * السؤال المحرج الذى نهرب منه جميعاً : ما هو الشيئ الحقيقى الذى قدمته للآخرين ؟
  • * الطبيعى ألا تجد من يستطيع أن يعوضك شيئاً فقدته , الغير طبيعى ألا تجد أحداً يحاول ذلك
  • لا تستدين الا والسيف على رقبتك
  • * اذا لم تستطع قول الحقيقة , فلا تقل نصف الحقيقة
  • * والشك فى عطاء الله ذنب يستوجب التوبة له
  • * للأخوة حقان : حق لأخيك بينك وبين الله , وحق لأخيك بينك وبينه
  • المعاناة جزء من الحياة
  • * لا يصلح فى هذا الزمان الا رجل قوى النفس , دقيق المشاعر , وذو رأى
  • شيئ صعب على النفس .. أن تشعر دائماً أنك تعيش فى ظروف استثنائية
  • لما تكشفت لى حكمته .. ترفعت عن سفاسف القوم
  • سلم بقدرك ثم سلم بخطئك
  • قليل من الناس من يعترف بخطئه من الوهلة الأولى
  • المثالية ليست خيالا
  • يخسر كثيراً من يحتفظ بمشاعره تجاه الآخرين لنفسه
  • المسكنات تزيد الألم أحياناً
  • قسوة المحب رحمة وعتابه مودة
  • لا تجعل الثقة أضعف خيط فى العلاقة بحيث تسعى لاختباره فى كل حين
  • أعجب لأناس يلتمسون العذر لأصحاب الأعذار ولا يلتمسون العذر لقاهرى الأعذار
  • ليس كل من حولك يجيد التعاطف .. فلا تنتظر شيئاً من أحد
  • الخطأ مؤلم بطبيعته .. ولكن حين وقوعه فقط
  • من يبحث عن السعادة بعيداً عنه يعيش حزيناً طوال عمره
  • الرأى الخطأ .. صحيح فى ظرف آخر
  • لا تجعل خوفك من الموت ينسيك طلب الشهادة
  • من فقه واقعه أدرك أولويات عمله
  • لا يغرنك كثرة المحيطين بك فان منهم المضطر والمخدوع وذا الحاجة
  • المخلص يظن الناس كلهم مخلصين , والمرائى يظن الناس كلهم مرائين
  • الذوقيات تصلح الأخلاقيات , واذا صلحت الأخلاقيات صحت العبادات
  • قد تعوض العاطفة نقص الفهم أحياناً , ولكن الفهم لا يعوض نقص العاطفة أبدأ
  • المتردد : يتأخر دائماً حتى يصنع القرار نفسه
  • ليس كل من يستطيع أن يقرأ يستطيع أن يكتب
  • أفخر بتجاربى فى الحياة .. رغم انها مليئة بالأخطاء القاتلة
  • لا تجعل ذنوب أخيك التى تطفوا على وجهه تصرفك عنه , فان ظلمة وجهه لتحتاج الى شعاع من نور وجهك لكى يسترد وضاءته
  • للألم أحياناً مذاق آخر , حمدت الله كثيراً عندما أيقظنى الألم فى جوف الليل لأقوم بين يدى الله .. فقط أيقظنى ثم ذهب
  • الشيء الوحيد الذى لا يمكن لأحد احتكار الحديث عنه .. هو الانسان